صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
16
شرح أصول الكافي
ثم العلم قسمان : علم مكاشفة : كالعلم بذات اللّه وصفاته وافعاله ، وعلم معاملة : وهو العلم المتعلق بكيفية اعمال الطاعات وتروك المعاصي والسيئات : فالأول يراد لنفسه والثاني يراد للعمل به والعمل يراد للعلم أيضا ، فالعلم هو الأول والاخر والمبدأ والغاية . فضرب من العلم وسيلة وضرب من العلم غاية ، وهو الأشرف الاعلى ، والعمل لا يكون الا وسيلة لأنه من الدنيا والدنيا وسيلة للآخرة فكذا ما هو منها ، فلا خير في طاعة لا يكون وسيلة للعلم : وكذا العلم المتعلق بها إذا لم يكن وسيلة إلى العمل المؤدى إلى الحال المؤدى إلى العلم الحر والمعرفة الخالصة لوجه اللّه فقوله عليه السّلام : والعمل به ، إشارة إلى ثمرة ضرب من العلوم وأوائلها ومباديها دون غاياتها وثمراتها . واما قوله عليه السّلام : الا وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، فهو من قبيل دعوى الشيء ببينة ومن قبيل قضايا قياساتها معها كقولنا : الأربعة زوج لكونها منقسمة بمتساويين ، وذلك لان نسبة العلم إلى الروح كنسبة المال إلى البدن ، حيث إن العلم غذاء للروح يحيى به ويقوى ويتكمل ، كما أن بالمال يتغذى البدن ويحيى وينمو ويتكمل ولا شك ان الروح اشرف من البدن وحياته أدوم وأبقى من حياة البدن لأنها حياة زائلة منقطعة وحياة الروح أبدية لا نهاية لها فطلب ما يوجب حياة الروح وهو العلم أوجب من طلب المال ، والمراد انه لو فرض ان طلب المال واجب فطلب العلم أوجب منه ، فهذا لا ينافي فضيلة الزهد . وما يستفاد أيضا من قوله عليه السّلام : ان المال مقسوم إلى آخره وبيانه : ان رزق العبد وما ينوط به في الدنيا امر مقدر مقسوم في القدر لا صنع للعبد فيه أصلا ، ولا دخل للطلب والتدبر فيه كما هو مكشوف عند من علم كيفية انتظام الأمور الكائنة الأرضية بالأسباب السماوية والاغراض العلوية التابعة للاحكام القدرية ، ومع ذلك قد اخبر اللّه تعالى بان الرزق مقسوم في الأزل واكد ذلك بالضمان والاقسام « 1 » المقتضى للايفاء :
--> ( 1 ) اى باليمين .